الشنقيطي

151

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ويجاب عنه : بأن التقى يرد ، والأتقى لا يشعر بورودها ، كما يمر عليها كالبرق الخاطف . واللّه تعالى أعلم . ولولا التأكيد في آية الورود بالمجيء بحرف من وإلا وقوله : كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [ مريم : 71 ] لولا هذه المذكورات لكان يمكن أن يقال : إنها مخصوصة بهذه الآية ، وأن الأتقى لا يردها ، إلّا أن وجود تلك المذكورات يمنع من القول بالتخصيص . واللّه تعالى أعلم . وفيه تقرير مصير القسمين المتقدمين ، من أعطى واتقى وصدق ، ومن بخل واستغنى وكذب ، وأن صليها بسبب التكذيب والتولي والإعراض وهو عين الشقاء ، ويتجنبها الأتقى الذي صدق ، وكان نتيجة تصديقه أنه أعطى ماله يتزكى ، وجعل إتيان المال نتيجة التصديق أمر بالغ الأهمية . وذلك أن العبد لا يخرج من ماله شيئا إلّا بعوض ، لأن الدنيا كلها معاوضة حتى الحيوان تعطيه علفا يعطيك ما يقابله من خدمة أو حليب . إلخ . فالمؤمن المصدق بالحسنى يعطي وينتظر الجزاء الأوفى الحسنة بعشر أمثالها ، لأنه مؤمن أنه متعامل مع اللّه ، كما في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ البقرة : 245 ] . أما المكذب : فلم يؤمن بالجزاء آجلا ، فلا يخرج شيئا لأنه لم يجد عوضا معجلا ، ولا ينتظر ثوابا مؤجلا ، ولذا كان الذين تبؤوا الدار والإيمان ، يحبون من هاجر إليهم ويواسونهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إيمانا بما عند اللّه ، بينما كان المنافقون لا ينفقون إلا كرها ولا يخرجون إلا الرديء ، الذي لم يكونوا ليأخذوه من غيرهم إلّا ليغمضوا فيه ، ولك ذلك سببه التصديق بالحسنى أو التكذيب بها . ولذا جاء في الحديث الصحيح « والصدقة برهان » « 1 » أي على صحة الإيمان بما وعد اللّه المتقين ، من الخلف المضاعفة الحسنة .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي مالك الأشعري : مسلم في الطهارة حديث 1 ، والترمذي في الدعوات حديث 3517 ، والنسائي في الزكاة ، باب وجوب الزكاة ، وابن ماجة في الطهارة وسننها حديث 280 .